ابن جبير

129

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

ثم كانت ليلة خمس وعشرين فكان المختتم فيها الامام الحنفي وقد أعد ابنا له لذلك سنه نحو من سن الخطيب الأول المذكور فكان احتفال الامام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيما أحضر فيها من ثريات الشمع أربعا مختلفات الصنعة منها مشجرة مغصنة مثمرة بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة ومنها غير مغصنة فصففت أمام حطيمه وتوج الحطيم بخشب وألواح وضعت أعلاه وجلل ذلك كله سرجا ومشاعيل وشمعا فاستنار الحطيم كله حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور واحضر الشمع في أنوار الصفر ووضع المحراب العودى المشرجب فجلل دائرة الأعلى كله شمعا وأحدق الشمع في الأنوار به فاكتنفته هالات من نور ونصب المنبر قبالته مجللا أيضا بالكسوة الملونة واحتفال الناس لمشاهدة هذا المنظر النير أعظم من الاحتفال الأول فختم الصبي المذكور ثم برز من محرابه إلى منبره يسحب أذيال الخفر في أثواب رائقة المنظر فتسور منبره وأشار بالسلام على الحاضرين وابتدأ خطبته بسكينة ولين ولسان على حالة الحياء مبين فكأن الحال على طفولتها كانت أوقر من الأولى واخشع والموعظة أبلغ والتذكرة أنفع وحضر القراء بين يديه على الاسم الأول وفي أثناء فصول الخطبة يبتدرون القراءة فيسكت خلال إكمالهم الآية التي انتزعوها من القرآن ثم يعود إلى خطبته وبين يديه في درجات المنبر طائفة من الخدمة يمسكون أنوار الشمع بأيديهم ومنهم من يمسك المجمرة يسطع بعرف العود الرطب الموضوع فيها مرة بعد أخرى فعندما يصل إلى فصل من تذكير أو تخشيع رفعوا أصواتهم بيا رب يا رب يكررونها ثلاثا أو أربعا وربما جاراهم ي النطق بعض الحاضرين إلى أن فرغ من خطبته ونزل وجرى الامام اثره على الرسم من الاطعام لمن حضر من أعيان المكان إما باستدعائهم إلى منزله تلك الليلة أو بتوجيه ذلك إلى منازلهم